Checkout

خطب الجمـعة

faheemfb@gmail.com

 36


   


بسم الله الرحمن الرحيم

إستغلال الوقت

  

كتبها : ش

ترجمها إلى الإنجليزية: د . فهيم بوخطوة

 

01 01 1400 هـ

01 01 2000 م

  

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا يضل يمن يضلل فلا هادي له ، ولن تجد له من دون الله ولــيّا مرشدا .

وبعد : أيها المسلمون:أقف معكم في هذه الخطبة ، بوقفات ضرورية ومهمة أتحدث فيها عن الإجازة الصيفية ، وأسميتها وقفات في إجازة الصيف . وأول هذه الوقفات وقفة أتحدث فيها عن أهمية الوقت : يقول الله عز وجل في كتاب العزيز:  ((وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفَةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا)) ، وأقسم الله عز وجل بالزمن فقال: (( والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعلموا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر*.

هذا الوقت إما أن يكون الإنسان خاسرًا فيه, إما أن يُكتب عند الله من الخاسرين, وإمّا أن يكتب عند الله تعالى من الفائزين وذلك بحسب استغلاله لهذا العصر, بحسب استغلاله لعمره, ولذلك أقسم الله سبحانه وتعالى بأول النهار وبآخر النهار, قال الله عز وجل: (( والضحى * والليل إذا سجى* )) وقال عز وجل: (( والليل إذا يغشى* والنهار إذا تجلى)) ، أقسم الله تعالى بالفجر فقال: ((  والفجر* وليال عشر)) ، لماذا يقسم الله تعالى؟.

يقسم ربنا بهذه الأوقات حتى نعلم قيمتها وحتى نصونها ونحفظها ولا نعمل فيها إلا خيرًا, فهذا العمر الذي تعيشه أيها العبد هو المزرعة التي تجنى ثمارها في الدار الآخرة, فإن زرعته بخير وعملٍ صالح جنيت السعادة والفلاح وكنت من الذين يُنادى عليهم في الدار الآخرة (( كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية)) ، وإن ضيعّته بالغفلات وزرعته بالمعاصي والمخالفات, ندمت يوم لا تنفعك الندامة وتمنيت الرجوع إلى الدنيا يوم القيامة فيقال لك: (( أو لم نعمركم  ـ أي ألم نجعل لكم عمرًا ـ ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير* فذوقوا فما للظالمين من نصير )) .

و صَحّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عُمُرِه فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه, وعن علمه ماذا عمل به))، فهذا العمر وهو أعَزُّ شيء لديكم فلا تضيّعوه ولا تفرطوا فيه, فإن الله عز وجل جعل في كل يوم وظائف لعباده من وظائف طاعته منها ما هو فرض كالصلوات الخمس, ومنها ما هو نافلة كنوافل الصلوات والذكر وغير ذلك, وجعل الله سبحانه وتعالى للشهور وظائف كالصيام والزكاة والحج, ومن هذه العبادات ما هو فرض وما هو نافلة, وجعل الله سبحانه وتعالى لبعض الأوقات فضلاً على بعض في مضاعفة الحسنات وإجابة الدعوات كالأشهر الحُرم وشهر رمضان قال الله عز وجل عن الأشهر الحرم: (( منها أربعة حُرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)) وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يُعظم تلك الأشهر الحرم, ومن هذه الأشهر هذا الشهر المحرم الذي نحن فيه والذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم  يصومه وكذلك شهر رمضان وليلة القدر وعشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم الجمعة.

وما من موسم من تلك المواسم إلا ولله نفحات يصيب به من يشاء برحمته , إن الله عز وجل قد أمرنا بشغل الأوقات بذكره وطاعته فقال: (( واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشي والإبكار )) كما تكون في أول النهار كذلك تكون ذاكرًا في آخر النهار. قال عز وجل: (( واذكر ربك في نفسك تضرّعًا وخيفة)) إذا مللت من ذكر ربك جهارًا فلا تَمَلّن من ذكره في نفسك تضرعًا وخيفةً (( ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين)) .

وما حجر الله عز وجل علينا شيئًا في الذكر, ما خَصّ الشارع لنا شيئًا معينًا من الذكر أو طريقة معينة من الذكر بل فتح الباب فقال عز وجل: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً، فعلى الفراش تستطيع أن تذكر الله وأنت سائر إلى عملك تستطيع أن تذكر الله, وأنت منتظر أحدًا تستطيع أن تذكر الله, فلذلك قال الله سبحانه: (( فسبحان الله حين تُمسون وحين تُصبحون* وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون )).

فحياتك بين التسبيح لله عز وجل وبين حمده, فإذا عرفنا هذا ونحن على أبواب الإجازة الصيفية فماذا نحن عاملون وعلى أي شيء نحن مقدمون من الأعمال, أمّا فكرنا في ذلك, أما فكر الشباب كيف سيقضون أوقاتهم أم أنهم يقضون أوقاتهم كيفما اتفق وحسبما حَلا لهم, وحسبما وجدوا من الفرصة في ارتكاب ما نهى الله عز وجل عنه, إن الناس في استغلال هذه الأوقات الآتية على أصناف, وكل الناس يغدو كما قال: ((فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها )).

الوقفة الثانية : أصناف الناس في إجازة الصيف : الناس في إستغلال هذه الإجازة صناف متعددة ، فمن الناس من يستغل هذه الأوقات في الاستزادة من الخير والاطلاع والعلم فيقتنون الكتب المفيدة ويستمعون  إلى المحاضرات القيّمة و الذكر وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم , وربما رحلوا إلى العلماء ليلتقوا بهم ويجلسوا في حلقهم فيستفيدوا فائدة عظيمة.

ومن الناس من يسافر لصلة أرحامه, فأرحامه في أشتات البلاد فمن رحم في الشمال ومن رحم في الجنوب ومن رحم في الغرب, ومن ثم فهو يرحل إلى أرحامه فيصلهم ويجلس معهم ويذكرهم بالله سبحانه وتعالى فيكون إن شاء الله من الذين ينسأ الله لهم في أعمارهم فيزيد في أعمارهم ويبارك الله عز وجل لهم في أوقاتهم.

ومن الناس من يسافر بعائلته فيما أباح الله من ملكوت السموات والأرض في هذه البلاد , فيخرج بعائلته إلى ما أباح الله من المناظر الطيبة فيذكرهم بخلق الله عز وجل في أرضه وسمائه  .

ومن الناس من يشغل وقته بتوجيه النصح للمسلمين, فمن منّ الله عليهم بالعلم فيخرج فيعلم الناس التوحيد ويعلم الناس الصلاة والحلال والحرام, فهذا من أحسن منه قولاً ومن أحسن منه فعلاً كما قال الله سبحانه وتعالى: (( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين )) .

وصنف آخر من الناس أسأل الله تعالى أن لا نكون منهم, هذا الصنف شغل وقته بالحرام, فهو في ليله على أشرطة الفيديو أو على قنوات التلفاز الذي لا يبث إلا الحرام, والذي لا يبُث إلا ما يدمر الفضيلة والأخلاق فهو ينتقل من شريط إلى شريط, إذا انتهى من فيلم ما انتقل إلى فيلم آخر, وهكذا حتى يقضي وقته, فيصبح كما قال رسول الله ـ ونعوذ بالله أن نكون من هذا الصنف ـ: ((إن الله يبغض كل جُغظري جواظ صَخّاب في الأسواق, جيفة بالليل حمار بالنهار)) لا شغل له كما قال رسول الله إلا ملذاته ولا ينتقي الحلال وإنما الحلال عنده ما حَلّ في يده والحرام عنده ما عجز عنه .

الوقفة الآخيرة : كيف نستثمر الإجازة :
1ـ تذكر فقه الأولويات وترتيبها حسب الأهمية وتنبه إلى مسألة أن ليس كل ملح عليك هو الأهم في حياتك وعلى أية حال تذكر أهمية التوازن في أخذ الأمور والاعتدال فهو أحد علامات النجاح والاستمرار. ، بمعنى آخر التخطيط الإجازة قبل أن يأت  وقتها .

2
ـ اقرأ حول الموضوع سواء من الكتب أو المقالات أو استماع الأشرطة التي تخدم في رسم البرنامج والاستفادة من الوقت وعلى سبيل المثال (ترتيب الأولويات طريق النجاح) للـ د. عبداللطيف الخياط ، و(الفوضوية في حياتنا) عادل بن محمد العبد العالي، و(125 طريقة لحفظ الوقت) محمد بن صالح العبدالله ، و(وصايا الأباء للأبناء) د. محمود شاكر سعيد. وغيرها.

3
ـ المحافظة على الرصيد العاطفي، إذ هناك من يحسن على عياله فترة الإجازة ويقدم لهم كثيراً من الخدمات . ولكن يختم ذلك بنوع من التعامل الفظ الغليظ الذي يسحب كل ما لديه من  أرصدة سابقة طيبة.

4
ـ الترفيه المشروط ، وأعني بذلك تضمين الترفيه والنـزهة أهدافاً سامية واستثمار الأحداث التي يمر بها الإنسان والتعليق على المواقف سلباً أو إيجاباً، وأن لا تمر الأوضاع والحالات الاجتماعية دون فحص وتحقيق مع الدوافع والأسباب والنتائج

5
ـ لا تخاطر برأس مالك، قد تأخذ بعض الأخوة عاطفة الأبوة ويغلب عليه الحنان فيجره ذلك إلى نوع من إمتاع الأهل بتعريضهم لبعض أماكن الفتن والشهوات، وقد يكون غافلاً عن الصور التي سوف تثبت في مخيلتهم والآثار السلبية التي تعلق في أذهانهم واكتساب بعض الانحرافات السلوكية، خاصة وأن هناك فئات من الشباب ومن في حكمهم ممن تأخرت مرحلة المراهقة عندهم لديهم سوء خلق وقلة حياء تجعلهم لا يقيمون للشرع ولا لغيره كبير اهتمام، بل وقد تصل الوقاحة إلى مضايقة الآخرين وإسماعهم ما يكرهون، فلا تعرض نفسك لإهانة هؤلاء السوقة والحثالة، (فلا يورد مصح على ممرض(

6
ـ قبل أن تذهب ـ قف قليلاً ـ وتذكر هل تركت والديك أو أحدهما وذهبت لإيناس أولادك؟ هل خلّفت من يقوم برعاية مصالحك؟ هل أشعرت الجيران وكنت على تواصل معهم في سفرك؟.

وحاشاك أن تذهب مع الرفاق والأصحاب وتترك الأهل والذرية هملاً تتقاذفهم أمواج الفتن وأصحاب الأهواء والشهوات.

ومن رعى غنماً بأرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد

7
ـ إياك وأسر العادة والشهوات والمألوفات، كم هم الذين يملكون قرارهم، لكن بعقل وإقناع ومشاركة للآخرين وكم هم الذين أوقعوا أنفسهم في شباك من العادات التي فرضوها على أنفسهم، والتزموا بها وأسسوا عليها اقتصادياتهم وعلاقاتهم فإذا نازعهم أحد على تعديل البرنامج أو تخلف بعض المحاور وجدت الانهزام أمام سور وهمي من التعارف على نمط معين من الأساليب والمطلوب أن يكون الإنسان جريئاً في التراجع عن الخطأ، جاداً في البحث عن طرائق أكثر إيجابية.

8ـ خذ كفايتك من النفقة لئلا تكون عالة على الآخرين من غير سرفٍ ولا مخيلة.

9ـ قد يكون في المناطق التي تريد السفر إليها مناشط وبرامج دعوية أو علمية فمن الممكن المشاركة فيها وهي من ضمن منافع السفر، وإياك والتجمعات التي فيها منكرات أو الدخول في الهيشات.

إخوة الإيمان: هذه الأوقات التي بين أيدينا يجب أن نتقي الله سبحانه وتعالى فيها, إن الله عز وجل سائلنا عن هذا العمر الذي نضيعه, سائلنا الله عز وجل عن كل دقيقة تمر بحياتنا, فكيف بالساعات الطوال؟ فكيف بالأيام الخالية, فكيف بالأشهر الماضية في اللهو واللعب, إن الله عز وجل سائلنا عن هذا العمر كما ذكر : ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسئل عن أربع)) ـ ومن هذه الأربع ـ ((عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه)).

أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه على كل شيء قدير.

 


faheemfb@gmail.com   فهيم أبوخـطـوة ،، البريد الإلكتروني