Checkout

خطب الجمـعة

faheemfb@gmail.com

 61


     


بسم الله الرحمن الرحيم

الظلم والعدل

  

كتبها : ش 

ترجمها إلى الإنجليزية: د . فهيم بوخطوة

  

00 / ممممممم / 0000 هـ

00 / ممممممم  / 0000 م

  

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، ما بعد:

فإن من الكبائر التي أجمعت على ذمّها الأديان والتي حاربها الإسلام على مرور الأزمان "الظلم". الذي قال عنه النبي : ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) رواه مسلم.

 

الظلم الذي حرّمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرمًا كما جاء عن أبي ذر الغفاري أن رسول الله  قال فما يرويه عن ربه عز وجل: ((يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا..)) رواه مسلم والظلم: هو التعدّي بوضع الأمور في غير موضعها.

 

واعلموا أن الظلم ثلاثة أنواع:

1  - النوع الأول : أعظمها وأبشعها وأقبحها وأكبرها ظلم الله عز وجل، وذلك بأن يشرك به غيره، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[لقمان:12]، فالشرك ظلم لأنه وضع للعبادة في غير موضعها، فهذا الظلم لا يغفره الله إلا بالتوبة منه, قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء[النساء:48].

 

2  - النوع الثاني : فهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات, فكل ذنب وخطيئة تقترفها ـ يا عبد الله ـ فإن ذلك ظلم منك لنفسك, وبغي عليها, قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[البقرة:229]، وما أكثر ما قال الله عند ذكر العصاة والمذنبين والظالمين: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون[النحل:118]، فكل مذنب وعاصٍ فإنما يجني على نفسه, ويعرضها لعذاب الله الأليم وعقابه الشديد, كما قال النبي  في حجة الوداع: ((ألا لا يجني جان إلا على نفسه)).

 

3- النوع الثالث:. فذاك الظلم الذي لا يتركه الله تعالى, وهو ظلم العبد غيره من الخلق, فهذا لا بد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم, كما قال الله سبحانه في الحديث الإلهي: ((وعزتي لأنصرنّك ولو بعد حين)). وقد أجاد من قال:

 

    لا تظلـمن إذا ما كنت مقتدرًا              فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

    تنام عينـاك والمظلوم منـتبه        يدعو عليك وعين الله لم تنم

 

فاتقوا الظلم لأن النبي أخبر أن الدنيا تملأ في آخر الزمان ظلمًا وجورًا, وها نحن نشهد صدق ما أخبر به ، فإن الظلم قد فشا وشاع بين الناس، في الدماء والأموال والأبضاع والأعراض، حتى صدق في سلوك كثير من أبناء هذا الزمان ما قاله الشاعر الجاهلي:

 

    والظلم من شيم النفوس فإن تجد        ذا عـفةٍ فلـعلةٍ لا يظلـم

 

إن العالم باتت تحكمه شريعةُ الغاب وسياسات التهديد والإرهاب ولغة التحدّي والإرعاب، مصالح ذاتية، ونظمٌ أُحاديّة، وإدارة فرديّة، تتعامل مع الغير معاملةَ السيّد للمسود والقائد للمقود، سياسةُ مصالح لا قيم، سياسة لا تحكم بالسويّة، ولا تعدل في قضيّة، ولا تتعامل إلا بحيف وازدواجية.

 

إنها صورةٌ واضحة المعالم جليّةُ الأبعاد للواقع المرّ الذي تأباه نفسُ كلّ أبيّ حرّ، وستظلّ المباركة والتأييد التي يلقاها الإجرام الإسرائيلي وتهيئة الأجواء له وإفساح المجال لارتكاب مزيدٍ من الهدم والتشريد والتقتيل شاهداً على الحقد الأعمى، وأنَّه ليس عند القوم للعدل حظٌّ ولا معنى.

 

أيها المسلمون، الدهرُ طعمان حلو ومرّ، والأيام طرفان عسرٌ ويُسر، وكلّ شدّة إلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء، وإنَّ بعد الكدر صفوًا، وبعد المطر صحوًا، والشمس تغيب ثم تشرق، والروض يذبل ثم يورق، ولله أيام تنتصر من الباغي وتنتقم من العاثي، ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدائد، وصرف عنه المكائد، وحفظه وهو نائم وقائم وصاحٍ وراقد، وأحسن الجُنة لزومُ الكتاب والسنة على نهج سلف الأمة، يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ[محمد:7-11].

    

أيها المسلمون  , قوموا بما أوجب الله عليكم من نصرة دينكم وإخوانكم, وذلك من خلال أمرين :

الأول: التوبة النصوح من جميع الذنوب, قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[النور:31]. فإن ما أصاب أمتنا هو بما كسبت أيدينا, ويعفو عن كثير, قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[الشورى:30]. فالتوبة إلى الله تعالى من أعظم أسباب رفع ظلم الظالمين وتسلط الطاغين, قال ابن القيم رحمه الله: "فليس للعبد إذا بغي عليه أو أوذي أو تسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح".

 

الأمر الثاني: مدُّ يد العون والمساعدة لكلّ من أوذي في سبيل الله, قريبًا كان أو بعيدًا, وذلك من خلال تقديم كل ما يمكن تقديمه من دعم مادي أو معنوي, لا سيما ـ أيها الإخوة ـ ونحن في هذه البلاد, لا زال كثير منا ولله الحمد يعيش في سعة من الرزق ورغد من العيش, فالواجب علينا أكبر من الواجب على غيرنا, فمدوا ـ بارك الله فيكم ـ أيديكم بسخاء لإخوانكم المسلمين في كل مكان, واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن وتقي مصارع السوء, فإياكم والبخل, فإنه من يبخل فإنما يبخل عن نفسه.

 

وقد أورد الإمام الذهبي صاحب كتاب الكبائر في كتابه هذا رحمه الله قصة مؤثّرة، فقال: كان سلطان من السلاطين له قصرٌ مشيد، وجاءت عجوز، فأقامت بجواره كوخًا تسكنه أي: عريشًا، فذات يوم خرج السلطان وحام حول قصره فرأى ذلك الكوخ فقال: ما هذا؟ قالوا: العجوز تأوي إليه، أي: إذا جاء الليل نامت فيه، فأمر بهدمه، فأزيل فجاءت آخر النهار وإذا بكوخها قد أزيل، فدعت ربها جل وعلا، فجاء أمر الله على القصر وما فيه، فرفعه إلى جهة السماء ثم قلبه على من فيه.

 

كما يروي رحمه الله أن رجلا من أعوان الظلمة ذهب ذات يوم إلى سوق الأسماك، فرأى رجلاً فاغتصب منه سمكة كانت بيده ظلمًا وقسرًا، فعند أكله السمكة دخل في إبهامه عظم منها وتسمّم فبترت إصبعه، فسرى المرض إلى كفه فبتر ثم، إلى المرفق فبتر، ثم إلى الكتف فبتر، ثم سرى إلى جسمه فأرشده عالم بعد أن سأله عن القصة بالذهاب إلى المظلوم صاحب السمكة فيتحلّل منه، فذهب إليه فما عرفه صاحب السمكة المظلوم لتغيّر معالم الظالم بعد بتر يده من الكتف، فأخبره الخبر، فعفا عنه وسامحه، فشفي من مرضه ووقف عند بتر الكتف.

فاتقوا الله عباد الله، وخذوا منه عبرة، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ما أكثر العبر وما أقلّ الاعتبار).

 

عباد الله، إن مما لا بد منه أمام هذه النازلة أن يكون كل مسلم على ذكر من أمرين:

أما أولهما: فهو أن من حكمة الله تعالى ومن بديع تدبيره أنه يمهل للظالم ويملي له، لكنه يأخذه في النهاية أخذاً أليماً شديداً، لا نجاة له منه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ النبي : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ[هود:102][1][3]، فهو إمهال ليزداد الباغي من أسباب بغيه وعدوانه، فتعظم عقوبته، ويشتد عذابه.

 

أما الثاني: فهو أن سنة الله في الابتلاء ماضية في عباده المؤمنين تمحيصاً وتعليماً، ورفعةً وتكريماً، وفي الكافرين محقاً وقطعاً وعذاباً أليماً، كما قال سبحانه: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ[آل عمران:140-142].

فالعاقبة ـ يا عباد الله ـ دائماً للمتقين، والنصر والتمكين والغلبة للصابرين الصامدين، الذين يستيقنون أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ[البقرة:214]، أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ، أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين...


 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين

.


faheemfb@gmail.com   فهيم أبوخـطـوة ،، البريد الإلكتروني