Checkout

خطب الجمـعة

faheemfb@gmail.com

157

      

 

     
 

     


بسم الله الرحمن الرحيم

حبّ الله ـ ( والذين ءامنوا أشدّ حُبا لله )

 

كتبها : الشيخ   

ترجمها إلى الإنجليزية : د . فهيم بوخطوة

 

23  صفر  1432

28/11/2011

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب . وما تقرّب إلي عبدي بشيئ أحب إلي مما افترضته عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه" . رواه البخاري .

 

فهذا حديث عظيم وكل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عظيمة ، فهو أشرف حديث في ذكر الأولياء . قوله تعالى : (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) يعني فقد أعلمته بأني محارب له حيث كان محاربا لي بمعاداته أوليائي . فأولياء الله تجب موالاتهم ومحبتهم لا بغضهم ومحاربتهم ، كما أن أعداء الله تحرم موالاتهم يقول تعالى : (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) الممتحنة 1 . وقال سبحانه : (إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويُؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتولى الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون) المائدة 55 ، 56.

 

فما الذي يستوجب محبة الله لعباده إنها محبتهم لله فلا يبلغ شيئ في هذه الدنيا مهما غلا وعلا مبلغ حبهم لله وهذا يدفعهم للتقرب إليه والتودد إليه بالطاعات والعمل الصالح . يقول الله تعالى (والذين ءامنوا أشدّ حُبا لله) البقرة .... والتعبير في هذه الآية بلفظ الحب تعبير جميل ، فوق أنه تعبير صادق ، فحب المؤمنين لله حب مطلق لا تقيده قيود ولا تحده حدود.

 

فالله سبحانه هوالذي بيده كل شيئ ، هو الخالق هو الرازق هو الواهب الباقي . فهوأولى بالمحبة والولاء . وهو الذي بيده الجنة التي فيها الحياة الخالدة والمباهج الدائمة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . فيحرم لغيره أن تكون الطاعة والعبادة والولاء . فكل محبة ينبغي أن تنبع من محبته أولا، وكل طاعة إنما تكون تبعا لطاعته . فإذا بلغ العبد مرتبة المحبة لله فتقرب إلى الله بالفرائض ، ثم أتبعها النوافل اكتملت عناصر المحبة ، فيحبه الله سبحانه وتعالى :( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) والله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدا ماذا يكون ؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل : إن الله قد أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم يُنادي جبريل في السماء : إن الله قد أحب فلانا فأحبوه . فيُحبه أهل السماء ، ويُوضع له القبول في الأرض) متفق عليه. يقول سبحانه: (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) مريم 96 . أي سيجعل الله لهم مودة ومحبة تقوم على الإيمان . فكل محبة تقوم بين الخلق لها أسباب كأن ترى إنسانا يُحبك ويتودد إليك ، فساعة تراه مُقبلا عليك تقوم له وتبش في وجهه ، وتُفسح له في المجلس ، ثم تسأل عنه إن غاب ، وتعوده إن مرض ، وتُشاركه الأفراح ، وتواسيه في الأحزان ، وتؤازره عند الشدائد ، فهذه مودة ناشئة عن حب ومودة سابقة .

 

وقد تنشأ المودة في الدنيا بين الخلق جميعا ، مؤمنهم وكافرهم . أما هنا في هذه الآية (سيجعل لهم الرحمن ودا) . أي بدون سبب من اسباب المودة هذه ، مودة بدون قرابة ، وبدون مصالح مشتركة أو صداقة ، وهذه المودة بين الذين ءامنوا كأن ترى شخصا لأول مرة فتشعر نحوه بارتياح كأنك تعرفه ، فتقول له إني أحبك في الله . فهذه محبة جعلها الله بين المؤمنين فضلا منه وتكرما ، لا بسبب من أسباب المودة المعروفة .

 

لذلك قال هرم بن حيان : إن الحق تبارك وتعالى حين يرى عبده المؤمن قد أقبل عليه بقلبه وأسكنه فيه ، وأبعد عن قلبه الأغيار ، وسلم قلبه وقدمه لربه فتح له قلوب المؤمنين جميعا.

فيحبه كل من رآه عطية من الله وفضلا ، دون سبب من أسباب المودة .

 

فبحب الله أحبه الناس ، وبحب الله كان الله وليه ومولاه وحماه ونصره على من عاداه ، كما جاء في الحديث: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يُبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه) . فمحبة الله تعالى إذن هي الحياة التي من حُرِمها فهو من جملة الأموات . ومحبة الله هي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات . ومحبة الله هي الشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام . ومحبة الله تعالى هي اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام .

 

فأولياء الله هم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه وهم على قسمين :

 

1) من تقرب إليه بالفرائض ويشمل ذلك فعل الواجبات وترك المحرمات .

2) من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل . فأي إدّعاء بأن هناك طريقا آخرغيرهذين الطريقين للوصول إلى الله ، محض كذب وافتراء .

 

و من أسباب المحبة لله تعالى :

 

*   اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : (قل إن كنتم تُحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكمو الله غفور رحيم). آل عمران ...

 

*   وكذلك الذلة للمؤمنين ، والعزة على الكافرين ، والجهاد في سبيل الله ، وعدم الخوف إلا منه سبحانه وتعالى ، وقد ذكر الله هذه الصفات في آية واحدة ، قال تعالى : (يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يُحبهم ويُحبونه . أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة 54 . ففي هذه الآية ذكر الله تعالى صفات القوم الذين يُحبهم . وكانت أولى هذه الصفات :

 

·     التواضع وعدم التكبر على المسلمين ، والعِزّة على الكافرين  : فلا يذل لهم ولا يخضع ،

·     يُجاهدون في سبيل الله : جهاد الشيطان ، وجهاد الكفار المعتدين ، والمنافقين والفساق ، وجهاد النفس ،

·     لا يخافون لومة لآئم : فإذا ما قام باتباع أوامر دينه فلا يهمه بعدها من يسخر منه أو يلومه.

 

*   ومن صفاته كمل جاء في الحديث الذي ذكرناه : القيام بالنوافل ، ومن النوافل الصلاة والصدقات ، والعمرة والحج والصيام .

 

*   ومن صفاتهم أيضا : الحب في الله ، والتزاور ، والتباذل ، والتناصح في الله . وقد جاءت هذه الصفات في حديث واحد عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال : ( حُقت محبتي للمتحابين فيّ ، وحُقت محبتي للمتزاورين فيّ ، وحُقت محبتي للمُتباذلين فيّ ، وحُقت محبتي للمتواصلين فيّ) صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب .

 

ومعنى "المُتزاورين فيّ" أي أن يكون زيارة بعضهم لبعض من أجله وفي ذاته ، وابتغاء مرضاته من محبة لوجهه سبحانه أو تعاون على طاعته . وقوله تعاى "والمتباذلين  فيّ" أي يبذلون أنفسهم في مرضاته من الإنفاق على الدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيله ، وغير ذلك مما أمروا به .

 

*   وكذلك من علامات محبة الله للعبد الإبتلاء والمحن ، فالمصائب والبلاء امتحان للعبد، وهي علامة على حب الله له ، إذ هي كالدواء ، فإنه وإن كان مرّاً إلا أنك تُقدمه على مرارته لمن تحب ـ ولله المثل الأعلى ـ ففي الحديث الصحيح : (إن عِظم الجزاء من عِظم البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي وصححه الألباني .

 

هذه أيها الأخوة بعضا من صفات أولياء الله الذين يُحبه ويُحبونه ، الذين نسأل الله تعالى أن نكون منهم .

 

فيا عبدالله اعلم أنك إذا أحبك الله فلا تسل عن الخير الذي سيُصيبك ، والفضل الذي سينالك،  فيكفي أن تعلم بأنك حبيب الله الذي بحبه لك كان سبحانه :

 

"كنت سمعه الذي يسمع به" أي أنه لا يسمع إلا ما يُحبه الله . "وبصره الذي يُبصر به" فلا يرى إلا ما يُحبه الله . "ورجله التي يمشي بها" ، فلا يذهب إلا لما يُحبه الله ، "وإن سألني لأعطينه" فدعاؤه مسموع وسؤاله مُجاب.

 

ولعل من المفيد أيها الإخوة في هذا الموضع أن نذكر نماذج من أولئك الأولياء الذين كانوا مجابوا الدعوة ففي صحيح الحاكم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كم من ضعيف متضاعف ذي طمرين"أي ثوبين خلقين"لو أقسم على الله لأبرّه منهم البراء بن مالك" . وإن البراء لقي زحفا من المشركين فقال له المسلمون أقسم على ربك فقال: أقسمت عليك يارب لما منحتنا أكتافهم ، فمنحهم أكتافهم ، ثم التقوا مرة أخرى ، فقالوا أقسم على ربك فقال : أقسمت عليك يارب لما منحتنا أكتافهم وألحقني بنبيك صلى الله عليه وسلم فمنحوا أكتافهم وقُتل البراء"

 

وعن ابن أبي الدنيا بإسناد له أن النعمان بن نوفيل قال يوم أحد : اللهم إني أقسم عليك أن أقتل فأدخل الجنة ، فقتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : {إن النعمان أقسم على الله فأبره} وروى أبو نعسم بإسناده عن سعيد أن عبدالله بن جحش قال يوم أحد : يارب إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غدا قلت : يا عبدالله من جدع أنفك وأذنك فأقول : فيك وفي رسولك فتقول صدقت ، قال سعيد : لقد لقيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط . استُشهد ومُثِل به فجدع أنفه وأذنه كما تمنى . والحديث عن الصالحين أولياء الله الذين كانوا مجابوا الدعوة أكبر من أن تحتويه خطبتي هذه فأكتفي بهذا القدر وهذه الإشارة عسى الله أن ينفعنا بما سمعنا وعلمنا وأن يجعلنا من أولياءه الصالحين .

 

"وإن استعاذني لأعيذنه" فهو محفوظ بحفظ الله له من كل سوء . أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

 

  


faheemfb@gmail.com   فهيم أبوخـطـوة ،، البريد الإلكتروني