|
خطب الجمـعة |
![]() |
|
213 |
|
|
|||
بسم الله الرحمن الرحيم
الحياة الأولى والحياة الآخرة
كتبها : عبد الرزّاق طاهر فارح
ترجمها إلى الإنجليزية: د . فهيم بوخطوة
23 رجب 1440
29 مارس 2019
أحبتي في الله ،،
غابت حقيقة الدنيا عن معظم من يعيشون في هذه الحياة الدنيا، وظنُّوا أنَّ الدنيا هي نهاية الحياة. لا ليس كذلك، بل لابد أن نتفكَّر في المصير ليرعوي كلُّ ظالم وكلُّ مجرم، وليتوب كلُّ مقصِّر ومذنب وعاصٍ إلى الله جلَّ وعلا. فالدنيا دارُ مَمَر وليست دار مقر. والذَّمُّ الوارد في القرآن والسُّنَّة لا يرجع إلى زمانها الذي هو الليل والنَّهار. ولقد جعل الله الليل والنّهار آيتين للتَّفَكُّر والتَّدَبُّر. قال جلَّ وعلا:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} 25:62. وليس الذَّمُّ راجعاً كذلك إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض، التي جعلها الله آيةً من آيات قدرته ودليل عظمته فقال جلَّ وعلا: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} 36:33. وليس الذَّمُّ راجعاً إلى ما أودعه الله في هذه الدنيا من الخيرات وفضائل ونِعَم، وإنَّما الوارد في الكتاب والسُّنَّة لدينا راجعٌ إلى كلُّ ما يُرتكب على ظهرها من أفعال الذنوب والمعاصي في حقِّ الله تبارك وتعالى.إعلم عِلم اليقين أنَّ الحياة على ظهر الأرض موقوتةٌ محدودةٌ بأجل، ثم تأتي نهايتها حتما، كما قال جلًّ وعلا:
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} 10:24. وقال جلَّ وعلا: {إعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖكَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} 57:20.أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واعملوا أنَّ الله خلق الدنيا والآخرة، وخلق هذا الإنسان وابتلاه بينهما. فإنَّ آثر الدنيا على الآخرة باء بغضبِ الله سبحانه وتعالى وعذابه. وإنَّ آثر الآخرة على الدنيا فإنَّه يكونُ رابحاً بدُنياه وآخرته، والأول خسر دُنياه وآخرته. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
{الدنيا والآخرة هما ضرتان إذا مِلْتَ إلى إحداهما أَغضبت الأخرى} ، فلا بد أن يُعادل المسلم بين دنياه وآخرته، فيأخذ من الدنيا ما يُعينه على طاعةِ الله، وعلى الفوزِ في الآخرة. هذا هو المُسلم المُعتدل الذي انتفع من دنُياه وآخرته، قال الله سبحانه وتعالى في ما ذكره عنَّ من نصحوا لقارون لمَّا أتاه الله الثروة العظيمة نصحوه: {قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} 28:76، أيَّ: لا تفرح فرحا أشرٍ وبطنٍ وكِبَرٍ فيما أعطاك الله من هذا المال: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} بأنَّ تستعين به على العمل الصالح وطلب الآخرة. أنَّ تُنفق منَّه على المحتاجين والمُعسرين وفي سبيل الله عز وجل. فهذا يكون ذخراً لك عند الله سبحانه وتعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} 28:77. لا تحرم نفسك من التَّمتُّعِ بما أباح اللهُ من طيبات المأكلِ، والمشاربِ، والملابسِ، والمساكنِ. لا تنس نصيبك من الدنيا ولا تحرم نفسك من الدنيا، فإنَّ هذا مذموم. ولا تنس نصيبك من الدنيا كما قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} 7:32، فالمسلمُ يتناول من رزقِ الله ممَّا أعطاه الله، ويتصدق، ويُنفق، ويُقَدِّم لآخرته. هذا هو المطلوب من المسلم مع دُنياه وآخرتهِ، وفي الأثر: (إعمل لدنياك كأنَّك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنَّك تموت غدا). فالمسلم يعتدل بيَّن الدنيا والآخرة. لا ينقطع مع إحداهما ويتركَ الأخرى.وأمَّا من شقي في هذه الدنيا، وأعطى نفسه ما تشتهي من حلالِ وحرام، وفتح لنفسه باب الشهوات، واللهو، والغفلة، تمتع بنصيَّبه من الدنيا ونسي الآخرة، فهذا هو الخاسر:
{خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} 22:11، وأمَّا من عرف قدر الدنَّيا وعرف قدر الآخرة فأعطى كُلَ واحدةِ قدرها فهذا هو الرابح الذي ربح دنياه وربح آخرته قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أيَّ لقائه لربه، وحسابه عند الله، {وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} 79:40. فلينظر المسلم في دنياه وينظر في آخرته، ويعلم أنَّه مخلوق للآخرة. ويعلم أنَّ الدنيا زائلة مهما تزينت، ومهما تزخرفت فإنَّها زائلة عمَّا قريب. وأمَّا الآخرة فإنَّها باقية، فلا يُؤْثِر الفانية على الباقية، هذا ليس بعاقل. إنَّما العاقل من يُؤْثِر الباقية على الفانية هذا هو العاقل. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "إنَّ الدنيا قد ولَّت مُدبِرة، وإنَّ الآخرة قد جاءت مُقبلة، ولِكلٍ منَّها بَنون فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا". أنت لم تُخلق في هذه الدنيا لتعمرها، وتقتصر على تحصيلها، وتنسى الآخرة. أنت خُلقت لتعمل لآخرتك، وتأخذ من دُنياك لتعمل لآخرتك. تأخذ من دنياك ما تستعين به على طلبِ الآخرة. هذا هو المقصود من الدنيا. والدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء. وهذا معلوم لكلِّ عاقِلٍ، فضلاً عن المؤمن. فكيف يُؤْثِر الإنسان دار الفناء؟ التي هو زائل عنها أو هي زائلة عنه قريباً، وكيف وينسى الآخرة التي هي مقره؟ {ويَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} 40:39. فأنت في هذه الدنيا عابرٌ وسائرٌ، ومُسافر. تحملك الليالي والأيَّام إلى الآخرة. فاستعد للآخرة، إستعد لِلِقاء الله سبحانه وتعالى. إعمل لِدار البقاء، ولا تنقطع مع دار الفناء فتنقطع بك: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى* يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي* فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ* وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ* يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي} 30-89:23.
|
|
|||